الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
415
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
لمّا قال : لا تسقني ماء الملام فإنّني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي مخلد الموصلي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام فقال لصاحبه قل له يبعث إلىّ بريشة من جناح الذلّ لاستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه . وهذا ظلم من أبي تمام لمخلد ، وما الأمران سواء لأنّ الطائر إذا اعيا وتعب ذلّ وخفض جناحيه ، وكذلك الانسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلّا . ويده جناحه ، فذاك هو الّذي حسّن قوله تعالى وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ( 1 ) ألا ترى أنهّ لو قال واخفض لهما ساق الذلّ أو بطن الذلّ لم يكن مستحسنا ( 2 ) . قلت : إنّ ابن أبي الحديد في اعتراضه على أبي تمام مصداق ما قيل بالفارسية : چه بشنوى سخن أهل دل مگو كه خطاست * سخن شناس نهاى دلبرا خطا اينجاست فلم يعب أبو تمام على مخلّد أصل استعارة خفض جناح الذلّ لإظهار الخضوع والمسكنة ، كيف وهي أحسن استعارة وردت في كتاب اللّه تعالى ، وانّما عاب عليه إثباته الريشة لجناح الذلّ ، وأيّ ربط في ردهّ بأنّ ساق الذلّ لم يكن مستحسنا ، وجناح الذل مستحسن ، ولو كان اعتراض أبي تمام غير وارد لكان مخلد يجيبه . فإنّ الشعراء أعرف بمواقع الشعر . « هذا ماء آجن » هكذا في ( المصرية ) ، وكلمة هذا زائدة فليس في ( ابن أبي الحديد وابن ميثم والخطيّة ) ( 3 ) .
--> ( 1 ) الاسراء : 24 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 73 . ( 3 ) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 1 : 71 ، وشرح ابن ميثم 1 : 276 .